السيد محمد الصدر

609

تاريخ الغيبة الصغرى

عن عصر المجتمع المعصوم عن عصر مجتمع ما بعد العصمة . حيث يتكفل بقواعده العامة تربية كل هذه الأجيال الطويلة . وهي خصيصة إعجازية أيضا لم تتوفر في أي تشريع آخر سماوي أو أرضي . ثالثا : ان الإنسان كلما ترقّى وتكامل في المستويين الثقافي والإيماني ينكشف له معان جديدة للقرآن ، لا يمكن الالتفات إليها في المستويات الواطئة . وهذا معناه - على المستوى العام - ان البشرية ستفهم بالتدريج معان جديدة من القرآن تكون مربية لها . فإذا بلغت غاية مرحلتها ، ودخلت مرحلة أخرى فهمت معان جديدة تربّيها ، وهكذا . خذ إليك مثلا تقريبيا ، كتاب ( كليلة ودمنة ) الذي « جعل الكلام على ألسن البهائم والسباع والوحش والطير ، ليكون ظاهره لهوا للعامة وباطنه سياسة للخاصة ، متضمنا ما يحتاج الإنسان إليه من أمر دينه ودنياه وآخرته على حسن طاعة الملوك ومجانبا ما تكون مجانبته خيرا له » « 1 » . بل قالوا إن هذا الكتاب ليس ذا مستويين فقط ، بل أربعة مستويات ، يختص كل مستوى منها بمجموعة من البشر « 2 » . فإذا أمكن ذلك العدد ، أمكن الزيادة عليه بطبيعة الحال حين يصل إلى مستوى الإعجاز . السؤال الخامس : لما ذا احتاج الدين الإسلامي إلى وجود الهداة بعد النبي ( ص ) . وهم الخلفاء أو الأئمة ، على اختلاف المذاهب الإسلامية . ينبع هذا الاحتياج من عدة أمور : من أهمها : ضرورة تربية الأمة على الدين الجديد أو الأطروحة الجديدة ، وتمحيصها عليها وتربية الاخلاص طبقا لها ، تحت إشراف مركّز ومركزي فترة كافية من الزمن . ولا يتم ذلك بشكله الكافي بدون ذلك . ويقوم هؤلاء الهداة مضافا إلى ذلك ، بحفظ الأطروحة الجديدة لتبقى سارية المفعول بين البشر ليمكن تطبيقها في الدولة العالمية وما بعدها من العصور . إذ مع اندثارها لا معنى لتطبيقها ، كما هو واضح ، إلا بنبوة جديدة ، ليس المفروض وجودها بعد الإسلام ، ولا حاجة إليها ، بعد إمكان حفظه بهؤلاء الهداة .

--> ( 1 ) كليلة ودمنة ، تحقيق الياس خليل زخريا ط دار الأندلس - بيروت ص 83 . ( 2 ) المصدر ص 95 . لاحظ قوله : أقسام الكتابة وأغراضه ( المعاني الباطنة ) .